السيد محمد الكثيري
112
السلفية بين أهل السنة والإمامية
تنعم في الترف والتنعم بملذات الدنيا ، فإن ذلك كان يتم على حساب ملايين المحرومين والضعفاء ممن كان يرزح تحت ظلم الولاة والجباة الذين جعلوا من تلفيق التهم السياسية وسيلة لقتل الناس وأخذ أموالهم ( 17 ) . إلا أن ما ميز عصر أحمد بن حنبل هو ظهور فتن الشعوبية أو العنصرية ، فإذا كان الفرس قد تغلبوا على العرب واستحوذوا على أغلب المناصب المهمة في الدولة بعد انتصار العباسيين ، فإن عنصرا آخر سيدخل حلبة المنافسة ممثلا في العنصر التركي الذي استقدمه المعتصم ( 18 ) . وسلمهم مقاليد الجيش فنما عددهم وقويت شوكتهم ، فاشتدت محنة أهل بغداد وضايقوا أهلها . يقول المسعودي : " كانت الأتراك تؤذي العوام بمدينة السلام بجريها بالخيول في الأسواق وما ينال الضعفاء والصبيان من ذلك ، فكان أهل بغداد ربما ثاروا ببعضهم فقتلوه عند صدمه لامرأة أو شيخ كبير أو صبي أو ضرير ، فعزم المعتصم على النقلة معهم . . . فلم يزل يتخير الأماكن من دجلة وغيرها حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالقاطول فاستطاب الموضع ( 19 ) . لقد كره أهل بغداد مجيئهم إذ كانوا شؤما عليهم في حلهم وترحالهم ، فلما أقاموا بينهم كانت خيولهم تصيب الضعفاء والمرضى ، ولما رحلوا عنهم إلى القاطول ثم سامراء أثر ذلك أثرا سيئا في بغداد من حيث تجارتها وحضارتها . . . وأخذ المحدثون يضعون الأحاديث في ذم الترك تعبيرا عن شعورهم وشعور الناس ، فرووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الترك أول من يسلب أمتي ما خولوا " وعن ابن عباس أنه قال : " ليكونن الملك - أو
--> ( 17 ) ما زالت هذه الوسيلة يعمل بها في بعض الدول العربية وخصوصا في العراق ، حيث يعدم بعض التجار وتستحوذ الدولة على ممتلكاتهم بمبررات سياسية واهية . ( 18 ) يقال أن سبب استقدام المعتصم للأتراك هو أن أمه كانت من تلك الأصقاع التركية ، فقد كانت من السفد واسمها ماردة ، وكان في طباعه كثير من طباع هؤلاء الأتراك . ( 19 ) أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي ، مروج الذهب ، دار المعرفة ، بيروت 1983 م ، ج 4 ص 53 .